وهبة الزحيلي

76

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ثم حذر اللّه تعالى نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم من عداوة المشركين ، قائلا : وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ، وَيَقُولُونَ : إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ أي إنهم - كما قال الزمخشري - من شدة تحديقهم ونظرهم إليك شزرا بعيون العداوة والبغضاء ، يكادون يزلون قدمك ، أو يهلكونك ، وكان هذا النظر يشتد منهم في حال قراءة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن ، لشدة كراهيتهم ، وحسدا على ما أوتي من النبوة ، ويقولون : إنه مجنون ، حيرة في أمره ، وتنفيرا عنه ، وإلا فقد علموا أنه أعقلهم . والمعنى : أنهم جننوه لأجل القرآن . وقال بعضهم : المراد أنهم يكادون يصيبونك بالعين ، روي أن العين كانت في بني أسد ، فكان الرجل منهم يتجوع ثلاثة أيام ، فلا يمر به شيء فيقول فيه : لم أر كاليوم مثله ، إلا عانة ، فأريد بعض العيّانين على أن يقول في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مثل ذلك ، فقال : لم أر كاليوم رجلا ، فعصمه اللّه . قال الهروي : أراد ليعتانونك بعيونهم ، فيزيلونك عن مقامك الذي أقامك اللّه فيه ، عداوة لك . ورد ابن قتيبة على ذلك قائلا : ليس يريد اللّه أنهم يصيبونك بأعينهم ، كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظرا شديدا بالعداوة والبغضاء ، يكاد يسقطك . ورأى ابن كثير أن المعنى : يحسدونك لبغضهم إياك ، لولا وقاية اللّه لك ، وحمايته إياك منهم ، وفي هذه الآية - على رأي البعض - دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر اللّه عز وجل ، كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة . منها : ما أخرجه أحمد عن عبد اللّه بن عمرو ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا حسد ، والعين حق » أي بإرادة اللّه .